قوة الأخلاق

اذهب الى الأسفل

قوة الأخلاق

مُساهمة من طرف ابن العراق في الثلاثاء مايو 04, 2010 6:04 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


قوة الأخلاق




الشيخ : سلمان بن فهد العودة

الأخلاق..
مشترك إنساني عام من القيم والفضائل التي جبل الله الناس عليها،فأصناف
البشرية كلها تعترف بالمعاني الفاضلة والأخلاق العالية، وأصول هذه
الأخلاققدر متفق عليه، بل هناك فلسفة خاصة للأخلاق والفضائل في كل أمة
وتراث وعصر وثقافة،فالصدق والكرم والوفاء والعدل والصبر والتسامح معانٍ
محمودة في كل القيم الإنسانية،وفي مقابل ذلك معانٍ مذمومة فيها: كالكذب
والظلم والزور والعقوق والبخلوغيرها.


وهذا
معنى أصالة الأخلاق وعظمتها وقوتها وسيادتها الفعلية علىمنظومة القيم
الإنسانية، وذلك معنى فطرية الأخلاق، فالفطرة فيها أصول الأخلاق
التييحتاجها الإنسان، حتى إن الجاهلية الأولى كان العرب فيها يمتدحون
مكارم الأخلاق،ويعدونها دليلاً على عقل الرجل وسيادته، فكانوا يمدحون
الصدق والأمانة والكرموالشجاعة وغيرها، ولو قرأت في تراث كل أمة فستجد
عندها قدراً معروفاً من أصولالأخلاق لا تختلف فيه لبقاء الفطرة في
عناصرها، وذلك معنى حديث الصحيحين: « كل مولود يولد على الفطرة»،
ولقد جاءت الرسالات السماويةلتذكي المعاني الفطرية، وتؤكد القيم المشتركة
بين بني الإنسان، وتزيدها وضوحاً،وتحث الناس على فعلها، وتعدهم بالأجر
والثواب، وتحذرهم من تركها بالوعيد والعقاب،وجاءت أيضا هذه الشرائع
السماوية لتضع الأطر المحددة لتطبيقات هذه الأخلاق، وبهذانفهم قول النبي
صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم صالحالأخلاق»
أخرجه أحمد ، فكأن المعنى والله أعلم أن صالح الأخلاق موجودة فيالفطرة
فجاء البيان النبوي ليتممها، فبذلك تكتمل للإنسان أخلاقه الفطرية،
معالأخلاق المكتسبة التي يتعلمها من الشرائع السماوية.


والأخلاق
من تزكيةالنفوس، فحقيقة الأخلاق في داخل النفس، وإنما السلوك العملي تعبير
مباشر عن ذلك،ونتيجة له، ولذلك إذا كان القلب فاسداً لا يستطيع الإنسان أن
يستمر في التظاهروالمجادلة بالأخلاق السطحية، فبعض الناس قد يتكلفون
الأخلاق، لكن ذلك لن يدوم إن لميكن ذلك نابعاً من اعتراف داخلي بقيمة هذه
الأخلاق وحب لها، ومثل ذلك الخلق المؤقت،يعني أن في النفس ضعفاً أخلاقياً
تنكشف النفس فيه لأدنى امتحان، يقول الحسن البصري: "ما أخفى رجل شيئا إلا
ظهر على فلتات لسانه وقسمات وجهه" .



والشاعر الجاهليزهير بن أبي سلمى يقرر هذا المعنى، فيقول:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة *** وإن خالها تخفى على الناستعلم
فالأخلاق
القوية الحقيقية وعاء يستوعب حياة الإنسان كلها، فتتبين الأخلاق
القويةبالدأب والصبر والمداومة وإتمام الخلق، يقول أبو حامد الغزالي: "إن
أخلاق الإنسانالحقيقية هي أخلاقه بالمنـزل" . أي: لمداومته على حسن الخلق
والتلطف حتى فيبيته.


وعند
الإنجليز مثل يقول:"إن الملِكَ لن يكون ملكاً في كل وقت". أي أنهفي بيته
ومكانه الخاص سيبدو بسيطاً ضعيفاً، ربما يستفزه أي شيء، وربما يتشاجر
لأجلأتفه قضية.


وقوة
الأخلاق تبدو حين نختلف، وهناك من يستخدم أخلاق القوة للضربتحت الحزام كما
يقولون، واستخدام نقاط الضعف والفجور في الخصومة، فيطيح بكل
القيمالأخلاقية لأدنى اختلاف، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من آية
المنافق أنه « إذا خاصم فجر »، لكن قوة الأخلاق في العفو والعفة عن نقاط
الضعف، وقول الحق حتى علىالنفس { يَا اَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَبِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى اَنْفُسِكُمْ} [النساء:135] .


وقوة
الأخلاق تبدو أيضاً عند الانشغال الشديد والفراغ، فيفقد الإنسانهدوءه
وتتوتر أعصابه، فيظهر أولو العزم من أصحاب الأخلاق رابطي الجأش، فلا
يقولونإلا خيراً، كما كان يفعل نبينا صلى الله عليه وسلم حين يجر أحد
الأعراب رداءه فيظهرالأثر على صفحة عنقه، أو يتكلم عليه أحد المنافقين، أو
يطالبه بدين أحد اليهود،ولقد أجمل القرآن وصف خلقه فقال: {‏وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍعَظِيم} [القلم:4] .

وإننا
نجد اليوم كثيرين يتحدثون عن الأخلاق،وقد يلقون برامج ومحاضرات ودورات،
ويكتبون كتباً، لكن حين تنظر إلى الممارسات تجدبعداً عن هذا التنظير، أما
رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن هناك فجوة بين مايدعو إليه وبين ما
يفعله.

وقوة
الأخلاق هي أيضا القوة الخلقية الداخلية فيصفاء النفس وصدقها، وهذا معنى
عظيم من معاني الأخلاق، ولا يتحدث عنه أصحاب فلسفةالأخلاق؛ لأنه شيء لا
يقاس إلا بميزان الصدق وصلاح الضمير.. هل رأى أحد يوماً وجهاًيشعّ
بالأخلاق، بالبسمة، وبأبعد من ذلك.. بالصدق؟

إنه
وجه النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا عبد الله بن سلام -وكان يهودياً-
يقول: "لما قدم رسول الله صلىالله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه،
فكنت فيمن جاءه، فلما رأيت وجهه واستبنتهعلمت أن وجهه ليس بوجه كذاب"
أخرجه الترمذي وابن ماجه .


وقوة
الأخلاق هي فيالحكمة ووضع الأمور في مواضعها، ولذلك أقول: إن فقه
الموازنات من أهم وأعظم الأنواعالفقهية التي يحتاج إليها الناس كلهم
جميعاً، والأخذ بالأهم، وعدم تضخيم شيء علىحساب آخر، مما يبعث جوا من
الأخطاء والممارسات البعيدة عن الشرع، وإن استظلتبظلاله، ولذلك يقول الله
عز وجل: {‏الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَالْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ اَحْسَنَه} [الزمر:18]، فلم يقل: "حسنه"، وقال: { ‏فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ‏ ‏وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوابِأَحْسَنِهَا‏} [الأعراف:154].


وقوة
الأخلاق في العدل وترك الظلم،وإشاعة ذلك في حقل العلم والمعرفة، وحقل
التجارة والصناعة، وحقل السياسة، وحقلالسلوك والتعامل الاجتماعي، وكل
الحقول الأخرى. كل ذلك لن يحصل إلا بالمجاهدة: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69]، والمحاسبة: { ‏وَلَا اُقْسِمُبِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة} [القيامة:2]، ودعم الجوانب الفطرية في الإنسانوتوجيهها لخلق الخير والبر.


هذه
هي القوة الحقيقية: قوة الأخلاق. أما القوة الموهومة: أخلاق القوة فهي
مهترئة سريعة الزوال، وإذا صار الإنسان قوياً فتسلط علىالناس واستطال
عليهم وظلمهم فإنه في داخله وفي حقيقته ضعيف، لا يثق حتى بنفسه، وإنبدا
للناس عكس ذلك، وإذا قوي الإنسان وأصبحت له شوكة وسلطة كان ذلك امتحاناً
عسيراًلقوته الحقيقية، قوة أخلاقه، وأما العاجز الذي لا يستبد فذلك ضعف
عند الله وعندالناس.


إن
قوة الأخلاق تغلب أخلاق القوة، وإن سخط الناس أو رضوا؛ لأن النبي صلى الله
عليه وسلم يقول: « ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه
عندالغضب » قال ذلك تصحيحاً للمفاهيم المشوهة المشوشة عند الناس حول
القوة. فليس القوي الذي يقاتل ويصارع، وإنما القوي الذي يملك نفسه عند
القتال والصراع، ويخالق الناس بخلق حسن.
avatar
ابن العراق
مؤسس المنتديات

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 59
تاريخ التسجيل : 04/05/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://nooralrawy.guildealliance.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى